محمد ابو زهره

573

خاتم النبيين ( ص )

إنما الذي كره الأسر قبل الإثخان في القتل سعد بن معاذ رضى اللّه تبارك وتعالى عنه ، فإذا كان ثمة فضل في نزول القرآن الكريم موافقا لما كره سعد ، فله في هذا الفضل ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ( آل عمران - 74 ) . ثالثا - وهو الأمر الجدير بالاعتبار عند أهل الاعتبار ، وهو أن اللّه سبحانه وتعالى وحده يعلم الغيب ، ويعلم السر وأخفى ، وهو سبحانه وتعالى يعلم أن أخذ الأسرى قبل إثخان العدو ، خطأ ، فلماذا ترك النبي - رسوله وحبيبه - ومعه صحابته يخطئون ، وقد كان وحده هو الذي يعلم الصواب . والجواب عن ذلك أن هذا فيه عظة وعبرة ، ذلك أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي يوحى إليه ، والذي علمه ربه وأدبه فأحسن تأديبه ، إذا ترك يتصرف باجتهاده فقد يخطئ ، ولا ينزه عن الخطأ أحد ولو كان نبيا ، إلا أن يعلمه اللّه سبحانه وتعالى ، فهو وحده العليم الحكيم الذي يعلم المستقبل كالحاضر والماضي ، وفي ذلك توجيه للذين يستبدون ، وبيان أنهم يخطئون ، وليس لهم أن يدفعهم الغرور ، فيحسبوا أن آراءهم منزهة عن الخطأ فيتردون بأممهم في أفسد النتائج . إن ترك محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو الذي يوحى إليه ، ثم هو في ذاته أعقل الرجال ، إذ كانوا قبل البعثة يهتدون برأيه - يخطئ في رأيه ، ثم ينبه إلى الصواب ، فيه عبرتان لأولى الأبصار : - . أولهما - لأنه لا يصح لأحد أن يغتر برأيه ، فيحسبه الصواب الذي لا يقبل الخطأ ، ويعتقد في نفسه العلم ، وفي غيره الجهل . الثانية - أنه ليس لأحد أن يستبد في تفكيره الذي يعمل فيه للجماعة ، فلا يقول ما قاله فرعون . ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى ، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ( غافر - 29 ) . فعلينا معشر المؤمنين أن نتأدب بأدب اللّه سبحانه وتعالى ، وهو ألا ندلى أنفسنا وجماعتنا بالغرور ، فتكون السوءى ، في حاضر الأمة ومستقبلها ، وعلينا أن يكون لنا في رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أسوة حسنة ، ولا يكون لنا من فرعون ، متبوع يتبع ، فالحق أحق أن يتبع . ولقد رأينا في عصرنا إخوان فرعون يطلبون أن يتلى ما يكتب لهم كأنه تنزيل من التنزيل وقد بوؤا بهذا الغرور عنهم ، والخنوع من غيرهم - أمتهم سوء الدار ، وبئس القرار ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 - ق ) .